تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا (1)وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) " الفرقان

 

 (1) البروج : مواقع النجوم بالسماء ومنازلها ( القاموس القويم 1/61 ) .

يعود السياق مرة أخرى لذكر اية كونية لان الحق – تبارك وتعالى – يراوح بين اية تتطلب منهم شيئا وأخرى تلفتهم الى قدرة الله وعظمته و هذا يدل على مدى تعنتهم ولجاجتهم وعنادهم وحرص الحق – سبحانه وتعالى – على لفتهم اليه والأخذ بأيديهم الى ساحته تعالى .

ولو شاء سبحانه لسرد الايات الكونية مرة واحدة وآيات التكذيب مرة واحدة ولكن يزاوج – سبحانه وتعالى – بين هذه و هذه لتكون العبرة أنفذ الى قلوب المؤمنين .

قلنا :" تَبَارَكَ ..(61) "الفرقان

 يعني :  تنزه وعلا قدره وعظم خيره وبركته والبروج : جمع برج وهو الحصن الحصين العالي الذي لا يقتحمه احد والآن يطلقونها على المباني العالية يقولون : برج المعتدي ، برج النيل ....... الخ ومنه قوله تعالى :" وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) والسماء  "البروج

وقوله سبحانه

 

 " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ..(78) "النساء

 

 والبروج : منازل في السماء يحسب الناس بها الأوقات ويربطون بينها وبين الحظوظ فترة الواحد منهم اول ما يفتح جريدة الصباح ينظر في باب " حظك اليوم " وقد دلت الايات على ان هذه البروج جعلها الله لتسهل على الناس أمور الحساب .

كما قال سبحانه :

 

" الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) "  الرحمن

 

وقال تعالى

 " وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا .. (96)"الانعام

 

يعني : بها تحسب المواقيت فالشمس تعطيك المواقيت اليومية والليلية والقمر يدلك على اول كل شهر لانه يظهر على جزم معين وكيفية مخصوصة توضح لك أول الشهر ومنتصفه وأخره ثم تعطيك الشمس بالظل حساب جزئيات الزمن .

ومعلوم ان في السماء اثني عشر برجا جمعها الناظم في قوله :

حمل الثور جوزه السرطان                         ورعى الليث سنبل الميزان

عقرب القوس جدي دلو                           وحوت ما عرفنا من أمه السريان

فهي الحمل والثور والجوزاة والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت فأولها الحمل وأخرها الحوت وكل برج يبدأ من يوم 21 في الشهر وينتهي يوم 20 .

 

ثم يقول تعالى :"

 " وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) " الفرقان

 

  السراج هو المصباح الذي نشعله ليعطي حرارة وضوءا ذاتيا والمراد هنا الشمس لان ضوئها ذاتي منها وكذلك حرارتها على خلاف القمر الذي يضئ بواسطةالاشعة المنعكسة على سطحه فإضاءته غير ذاتية لذلك يقولون عن ضوء القمر : الضوء الحليم لانه ضوء بلا حرارة  .

والعجيب ان سطح القمر – كما وجدوه – حجارة ولما اخذوا منه حجرا ليجروا عليه بحوثهم فهل قل ضوء القمر ؟ لا لان دائرته الكاملة هي التي تعكس إلينا ضوء الشمس وحين تأخذ منه حجرا يعكس لك ما تحته أشعة الشمس .

وفي موضع آخر يوضح الحق سبحانه هده المسألة فيقول تعالى :

 

" هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ..(5) "يونس

 

 فالضياء هو الذي يأتي من الكواكب ذاتيا والنور هو انعكاس الضوء على جسم اخر فهو غير ذاتي .