إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)

وعلينا أن نعرف أن هناك فرقاً بين "مستضعف دعوى ومستضعف حقيقى"، فهناك مستضعف قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفاً. هذا هو "مستضعف دعوى"

 

أما "المستضعف الحقيقى" فهو من هؤلاء الذين يحددهم الحق:

 

" إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ". هؤلاء هم المستضعفون فعلاً حسب طبيعة عجزهم من الرجال والنساء والولدان.

هل الولد من الولدان يكون مستضعفاً؟ نعم؛ لأن الاستضعاف إما أن يكون طارئاً وإما أن يكون ذاتياً؛ فبعض من الرجال يكون مملوكاً لغيره ولا يقدر على التصرف أو الذهاب، وكذلك النساء؛ فالمرأة لا تستطيع أن تمشى وحدها وتحمى نفسها، بل لابد أن يوجد معها من يحميها من زوج او محرم لها، وكذلك الولدان؛ بطبيعتهم غير مكلفين وهو بذلك يخرجون عن نطاق التعنيف من الملائكة؛ لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.

 

وهذه دقة فى الأداء القرآنى، فالإنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو بالاحتيال، والاحتيال هو إعمال الفكر إعمالاً يعطى للإنسان فرصة أكثر مما هو متاح له بالفعل. فقد تكون القوة ضعيفة. ولكن بالاحتيال قد يوسع الإنسان من فرص القوة. ومثال ذلك: الإنسان حين يريد أن يحمل صخرة، قد لا يستطيع ذلك بيديه، لكنه أن يأتى بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع تحت العتلة عجلة ليدحرج الصخرة، هذه هى حيلة من الحيل، وكذلك السَقالات التى نبنى عليها إنها حيلة.

 

والذى قام ببناء الهرم، كيف وضع الحجر الأخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة، والذى جلس لينحت مسلة من الجرانيت طولها يزيد على العشرة الأمتار، ثم نقلها واقامها. إنه فعل ذلك بالحيلة. فالحيلة هو فكر يعطى الإنسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه، كذلك معرفة السبيل إلى الهجرة. وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى المدينة فى زمن رسول الله تحتاج إلى خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات والمتاهات، وحينما قام الرسول بالهجرة أحضر دليلاً للطريق، وكان دليله كافراً، فلا يتأتى فى مثل هذه الأرض بلا دليل.

 

ولننظر إلى قول الحق سبحانه:

 

فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)