وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)

النحل خلق من خلق الله، وكل خلق لله أودع الله فيه وفي غرائزه ما يقيم مصالحه، يشرح ذلك قوله تعالى:

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)
(سورة الأعلى)


أي: خلق هذه كذا، وهذه كذا حسب ما يتناسب مع طبيعته؛ ولذلك تجد ما دون الإنسان يسير على منهج لا يختلف .. فالإنسان مثلاً قد يأكل فوق طاقته، وقد يصل إلى حد التخمة، ثم بعد ذلك يشتكي مرضاً ويطلب له الدواء.
أما الحيوان فإذا ما أكل وجبته، وأخذ ما يكفيه فلا يزيد عليه أبداً، وإن أجبرته على الأكل؛ ذلك لأنه محكوم بالغريزة الميكانيكية، وليس له عقل يختار به.
وضربنا مثلاً للغريزة في الحيوان بالحمار الذي يتهمونه دائماً ويأخذونه مثلاً للغباء، إذا سقته ليتخطى قناة ماء مثلاً وجدته ينظر إليها وكأنه يقيس المسافة بدقة .. فإذا ما وجدها في مقدوره قفزها دون تردد، وإذا وجدها فوق طاقته، وأكبر من قدرته تراجع ولم يقدم عليها، وإن ضربته وصحت به .. فلا تستطيع أبداً إجباره على شيء فوق قدرته.
ذلك لأنه محكوم بالغريزة الآلية التي جعلها الله سبحانه فيه، على خلاف الإنسان الذي يفكر في مثل هذه الأمور ليختار منها ما يناسبه، فهذه تكون كذا، وهذه تكون كذا، فنستطيع أن نشبه هذه الغريزة في الحيوان بالعقل الإلكتروني الذي لا يعطيك إلا ما غذيته به من معلومات .. أما العقل البشري الرباني فهو قادر على التفكير والاختيار والمفاضلة بين البدائل.
يقول الحق سبحانه:

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ... (68)
(سورة النحل)


الحق تبارك وتعالى قد يمتن على بعض عبادة ويعلمهم لغة الطير والحيوان، فيستطيعون التفاهم معه ومخاطبته كما في قصة سليمان عليه السلام .. والله سبحانه الذي خلقها وأبدعها يوحي إليها ما يشاء .. فما هو الوحي؟
الوحي: إعلام من معلم أعلى لمعلم أدنى بطريق خفي لا نعلمه نحن، فلو أعلمه بطريق صريح فلا يكون وحياً.
فالوحي إذن يقتضي: موحياً وهو الأعلى، وموحى إليه وهو الأدنى، وموحى به وهو المعنى المراد من الوحي.
والحق ـ تبارك وتعالى ـ له طلاقة القدرة في أن يوحي ما يشاء لما يشاء من خلقه .. وقد أوحى الحق سبحانه وتعالى إلى الجماد في قوله تعالى:

إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)
(سورة الزلزلة)


أعلمها بطريق خفي خاص بقدرة الخالق في مخلوقه. وهنا أوحى الله إلى الملائكة:

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا .... (12)
(سورة الأنفال)


وأوحى إلى الرسل:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)
(سورة النساء)


وأوحى إلى المقربين من عباده:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ...(111)
(سورة المائدة)


وقد أوحى إليهم بخواطر نورانية تمر بقلوبهم وأوحى سبحانه إلى أم موسى:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ....(7)
(سورة القصص)


هذا هو وحي الله إلى ما يشاء من خلقه: إلى الملائكة، إلى الأرض، إلى الرسل، إلى عباده المقربين، إلى أم موسى، إلى النحل .. الخ.
وقد يكون الوحي من غيره سبحانه، ويسمى وحياً أيضاً، كما في قوله تعالى:

....ٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ .... (121)
(سورة الأنعام)


وقوله:

....يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا .... (112)
(سورة الأنعام)


لكن إذا أطلقت كلمة (الوحي) مطلقاً بدون تقييد انصرفت إلى الوحي من الله إلى الرسل؛ لذلك يقول علماء الفقه: الوحي هو إعلام الله نبيه بمنهجه، ويتركون الأنواع الأخرى: وحي الغرائز، وحي التكوين، وحي الفطرة .. الخ.
وقوله:

....ِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)
(سورة النحل)


كثير من الباحثين شغوفون بدراسة النحل ومراحل حياته منذ القدم، ومن هؤلاء باحث تتبع المراحل التاريخية للنحل، فتوصل إلى أن النحل أول ما وجد عاش في الجبال، ثم اتخذ الشجر، وجعل فيها أعشاشه، ثم اتخذ العرائش التي صنعها له البشر، وهي ما نعرفه الآن باسم الخلية الصناعية أو المنحل، ووجه العجب هنا أن هذا الباحث لا يعرف القرآن الكريم، ومع ذلك فقد تطابق ما ذهب إليه مع القرآن تمام التطابق.
وكذلك توصل إلى أن أقدم أنواع العسل ما وجد في كهوف الجبال، وقد توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق حرق العسل وتحويله إلى كربون، ثم عن طريق قياس إشعاع الكربون يتم التوصل إلى عمره .. وهكذا وجدوا أن عسل الكهوف أقدم أنواع العسل، ثم عسل الشجر، ثم عسل الخلايا والمناحل.
إذن: أوحى الله تعالى إلى النحل بطريق خفي لا نعلمه نحن وعملية الوحي تختلف باختلاف الموحي والموحي إليه، ويمكن أن نمثل هذه العملية بالخادم الفطن الذي ينظر إليه سيده مجرد نظرة فيفهم منها كل شيء: أهو يريد الشراب؟ أم يريد الطعام؟ أم يريد كذا؟
ثم يقول الحق سبحانه

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)