حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

وكلمة:

حَتَّى ....(110)
(سورة يوسف)


تدل على أن هناك غاية، ومادامت هناك غاية فلابد أن بداية ما قد سبقتها، ونقول: "أكلت السمكة حتى رأسها". أي: أن البداية كانت أكل السمكة، والنهاية هي رأسها. والبداية التي تسبق:

... اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ....(110)
(سورة يوسف)


هي قوله الحق:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ .... (109)
(سورة يوسف)


ومادام الحق سبحانه قد أرسلهم؛ فهم قد ضمنوا النصر، ولكن النصر أبطأ؛ فاستيأس الرسل، وكان هذا الإبطاء مقصوداً من الحق سبحانه؛ لأنه يريد أن يحمل المؤمنين مهمة هداية حركة الحياة في الأرض إلى أن تقوم الساعة، فيجب ألا يضطلع بها إلا المختبر اختباراً دقيقاً. ولابد أن يمر الرسول ـ الأسوة لمن معه ـ ومن يتبعه من بعد بمحن كثيرة، ومن صبر على المحن وخرج منها ناجحاً؛ فهو أهل لأن يحمل المهمة.
وهو الحق سبحانه القائل:

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)
(سورة البقرة)


إذن: لابد من اختبار يمحص. ونحن في حركة حياتنا نؤهل التلميذ دراسياً؛ ليتقدم إلى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الإعدادية؛ ثم نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الثانوية، ثم يلتحق بالجامعة، ويتم اختباره سنوياً إلى أن يتخرج من الجامعة. وإن أراد استكمال دراسته لنيل الماجستير والدكتوراه، فهو يبذل المزيد من الجهد.
وكل تلك الرحلة من أجل أن يذهب لتولي مسئولية العمل الذي يسند إليه وهو جدير بها، فما بالنا بعملية بعث رسول إلى قوم ما؟
لابد إذن من تمحيصه هو ومن يتبعونه، وكي لا يبقى على العهد إلا الموقن تمام اليقين بأن ما يفوته من خير الدنيا؛ سيجد خيراً افضل منه عند الله في الآخرة.
ولقائل أن يقول: وهل من المعقول أن يستيئس الرسل؟
نقول: فلنفهم أولاً معنى "استيأس"؛ وهناك فرق بين "يأس" و"استيأس"، فـ "يأس" تعني قطع الأمل من شيء. و"استيأس" تعني: أنه يلح على قطع الأمل.
أي: أن الأمل لم ينقطع بعد. ومن قطع الأمل هو من ليس له منفذ إلى الرجاء، ولا ينقطع أمل إنسان إلا إن كان مؤمناً بأسبابه المعزولة عن مسببه الأعلى.
لكن إذا كان الله قد أعطى له الأسباب، ثم انتهت الأسباب، ولم تصل به إلى نتيجة، فالمؤمن بالله هو من يقول: أنا لا تهمني الأسباب؛ لأن معي المسبب. ولذلك يقول الحق سبحانه:

....
وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)
(سورة يوسف)


ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار إنما توجد بين الملاحدة الكافرين؛ لأنهم لا يملكون رصيداً إيمانياً، يجعلهم يؤمنون أن لهم رباً فوق كل الأسباب؛ وقادر على أن يخرق النواميس.
أما المؤمن فهو يأوي إلى ركن شديد، هو قدرة الحق سبحانه مسبب كل الأسباب، والقادر على أن يخرق الأسباب. ولماذا يستيئس الرسل؟
لأن حرصهم على تعجل النصر دفع البعض منهم أن يسأل مثلما سأل المؤمنون:

....
مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ...(214)

(سورة البقرة)

فضلاً عن ظنهم أنهم كذبوا، والحق سبحانه يقول هنا:

.... وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ....(110)
(سورة يوسف)

ومادة "الكاف"، و"الذال" و"الباء" منها "كذب"، و"كذب عليه" و"كذب". والكذب هو القول المخالف للواقع والعاقل هو من يورد كلامه على ذهنه قبل أن ينطق به.
أما فاقد الرشد الذي لا يمتلك القدرة على التدبر؛ فينطق الكلام على عواهنه؛ ولا يمرر الكلام على ذهنه؛ ولذلك يقال عنه "مخرف".
وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق، وقلنا: إنه تطابق النسبة الكلامية مع الواقع، والكذب هو ألا تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع.
ومن يقول كلاماً يعلم أنه لا يطابق الواقع؛ يقال عنه: إنه متعمد الكذب، ومن يقول كلاماً بغالبية الظن أنه لا يطابق الواقع، ونقله عن غيره؛ فهو يكذب دون أن يحسب كذبه افتراءً، والإنسان الذي يتوخى الدقة ينقل الكلام منسوباً إلى من قاله له؛ فيقول "أخبرني فلان" فلا يعد كاذباً.
ولذلك أقول دائماً: يجب أن يفرق العلماء بين كذب المفتين، وكذب الخبر؛ وكذب المخبر. فالخبر الكاذب مسئول عنه من تعمد الكذب، أما الناقل للخبر مادام قد نسبه إلى من قاله، فموقفه مختلف.
وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين؛ قراءة هي: "وظنوا أنهم قد كذبوا" أي: حدثهم غيرهم كذباً؛ وقراءة ثانية هي: "وظنوا أنهم قد كذبوا" وهي تعني: أنهم قد ظنوا أن ما قيل لهم من كلام عن النصر هو كذب.
ولقائل أن يسأل: كيف يظن الرسل ذلك؟
وأقول: إن الرسول حين يطلب من قومه الإيمان؛ يعلم أن ما يؤكد صدق رسالته هو مجيء النصر؛ وتمر عليه بعض من الخواطر خوفاً أن يقول المقاتلون الذين معه: "لقد كذب علينا"؛ لأن الظن إخبار بالراجح.
ولا يخطر على بال الرسل أن الله سبحانه وتعالى ـ معاذ الله ـ قد كذبهم وعده، ولكنهم ظنوا أن النصر سيأتيهم بسرعة؛ وأخذوا بطء مجيء النصر دليلاً على أن النصر لن يأتي. أو: أنهم خافوا أن يكذبهم الغير.
ولذلك نجد الحق سبحانه يعلم رسله أن النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه، ولا يعرفه أحد، فسبحانه لا يعجل بعجلة العبادة حتى تبلغ الأمور ما أراد. ويقول سبحانه:

...وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ....(110)
(سورة يوسف)


وهكذا يأتي النصر بعد الزلزلة الشديدة؛ فيكون وقعه كوقع الماء على ذي الغلة الصادي، ولنا أن نتخيل شوق العطشان لكوب الماء. وأيضاً فإن إبطاء النصر يعطي غروراً للكافرين يجعلهم يتمادون في الغرور، وحين يأتي النصر تتضاعف فرحة المؤمنين بالرسول، وأيضاً يتضاعف غم الكافرين به.
ومجيء النصر للمؤمنين يقتضي وقوع هزيمة للكافرين؛ لأن تلك هي مشيئة الله الذي يقع بأسه وعذابه على الكافرين به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: