أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) |
قوله
تعالى: |
أما الحركة
الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة .. أي: حركة مستمرة وموزعة
بانتظام على الزمن.
ونضرب لذلك مثلاً بنمو الطفل .. الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له
لا تلاحظ هذا النمو؛ لأن نظرها عليه دائماً .. فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل
حركة قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلاً، ثم ينمو طفرة واحدة؟
لو كان نموه هكذا للاحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو بحركة انسيابية توزع
الملي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد نشعر بنموه.
وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث توزع جزئيات الحركة على جزئيات الزمن، فالشمس
ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا .. بل مركونة إلى أمر
الله، موصولة بكن الدائمة.
وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يلفت خلقه إلى ظاهرة كونية في الوجود محسة، يدركها
كل منا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظل التي يعجز
الإنسان عن إدراك حركته.
وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى:
... وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ
وَالْآَصَالِ (15)
(سورة الرعد)
فالحق سبحانه يريد أن يعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى:
.... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (44)
(سورة الإسراء)
فكل ما يطلق عليه شيء فهو يسبح مهما كان صغيراً. وقوله تعالى:
.....
يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ...(48)
(سورة النحل)
لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مفرداً، في حين أتى بالشمائل على
صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى لما قال:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا
خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ....(48)
(سورة النحل)
أتى بأقل ما يتصور من مخلوقاته سبحانه (من شيء) وهو مفرد، ثم قال سبحانه:
...
ظِلَالُهُ
.... (48)
(سورة النحل)
بصيغة الجمع. أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظل شيء واحد، لا .. بل ظل
أشياء متعددة. و(من) هنا أفادت العموم:
...مِنْ
شَيْءٍ ...(48)
(سورة النحل)
أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل. ثم يقول
تعالى:
...ِ
سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)
(سورة النحل)
فما العلاقة بين حركة الظل وبين السجود؟
معنى: سجداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليل على
أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل الأعلى لـ "كن"، والظل آية من آياته سبحانه
مسخرة له ساجدة خاضعة لقوله: كن فيكون.
وقلنا: إن هناك فرقاً بين الشيء تعده إعداداً كونياً، والشيء تعده إعداداً قدرياً
.. فصانع القنبلة الزمنية يعدها لأن تنفجر في الزمن الذي يريده، وليس الأمر كذلك في
إعداد الكون.
الكون أعده الله إعداداً قدرياً قائماً على قوله كن، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهي
باستمرار (كن فيكون). وهكذا .. فليست المسألة مضبوطة ميكانيكاً، لا .. بل مضبوطة
قدرياً.
لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باقٍ للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويرتب على
هذا الحكم أشياء أخرى .. نقول: لا .. ليس الأمر كذلك .. فالشمس خاضعة للإعداد
القدري منضبطة به ومنتظرة لـ"كن" التي يصغي لها الكون كله؛ ولذلك يقول تعالى:
...
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)
(سورة الرحمن)
هكذا بينت الآية الكريمة أن كل ما يقال له "شيء" يسجد لله عز وجل، وكلمة "شيء" جاءت
مفردة دالة على العموم .. وقد عرفنا السجود فيما كلفنا الله به من ركن في الصلاة،
وهو منتهى الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين،
ونخضع قاعدين، ولكن أتم الخضوع يكون بأن نسجد لله .. ولماذا كان أتم الخضوع أن نسجد
لله؟
نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد للذات، بحيث إذا أطلق انصرف إلى
الذات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبر الحق تبارك وتعالى عن فناء الوجود يقول:
....
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ....(88)
(سورة القصص)
وكذلك في قوله:
إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ
رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)
(سورة الليل)
فيطلق الوجه ويراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله تعالى دل ذلك على خضوع الذات
كلها؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع
بكل ذاته للمعبود عز وجل.
كما دلت الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد تكون لجمادات
كالشجر مثلاً، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظلها أيضاً ثابتاً لا
يتحرك، أما ظل الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى
مثلاً في الخضوع التام بالظلال؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً، وهذا مثال
للخضوع الكامل.
ثم يرتفع الحق تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله:
....وَظِلَالُهُمْ
بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15)
(سورة الرعد)
يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر .. يقول:
أيها الكافر ظلك ساجد وأنت جاحد .. جاء هذا الترقي في قوله تعالى
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)