وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)

الوفاء: أن تفي بما تعاهدت عليه، والعهود لا تكون في المفروض عليك، إنما تكون في المباحات، فأنت حر أن تلقاني غداً وأنا كذلك، لكن إذا اتفقنا وتعاهدنا على اللقاء غداً في الساعة كذا ومكان كذا فقد تحول الأمر من المباح إلى المفروض، وأصبح كل منا ملزماً بأن يفي بعهده؛ لأن كل واحد منا عطل مصالحه ورتب أموره على هذا اللقاء، فلا يصح أن يفي أحدنا ويخلف الآخر، لأن ذلك يتسبب في عدم تكافؤ الفرص، ومعلوم أن مصالح العباد في الدنيا قائمة على الوفاء بالعهد.
وقد ينظر البعض إلى الوفاء بالعهد على أنه ملزم به وحده، أو أنه عبء عليه دون غيره، لكنه في الحقيقة عليك وعلى غيرك، فكما طلب منك الوفاء طلبه كذلك من الآخرين، فكل تكليف لك لا تنظر إليه هذه النظرة، بل تنظر إليه على أنه لصالحك.
فمن أخذ التكليف وأحكام الله من جانبه فقط يتعب، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ كما كلفك لصالح الناس فقد كل الناس جميعاً لصالحك، فحين نهاك عن السرقة مثلاً إياك أن تظن أنه قيد حريتك أمام الآخرين؛ لأنه سبحانه نهى جميع الناس أن يسرقوا منك، فمن الفائز إذن؟ أنا قيدت حريتك بالحكم، وأنت فرد واحد، ولكني قيدت جميع الخلق من أجلك.
كذلك حين أمرك الشرع بغض بصرك على محارم الناس، أمر الناس جميعاً بغض أبصارهم عن محارمك. إذن: لا تأخذ التكليف على أنه عليك، بل هو لك، وفي صالحك أنت.
كثيرون من الأغنياء يتبرمون من الإنفاق، ويضيقون بالبذل، ومنهم من يعد ذلك مغرماً لأنه لا يدري الحكمة من تكليف الأغنياء بمساعدة الفقراء، لا يدري أننا نؤمن له حياته. وهانحن نرى الدنيا دولاً وأغياراً، فكم من غني صار فقيراً، وكم من قوي صار ضعيفاً.
إذن: فحينما يأخذ منك وأنت غني نطمئنك: لا تخف إذا ضاقت بك الحال، وإذا تبدل غناك فقراً، فكما أخذنا منك في حال الغنى سنعطيك في حال الفقر، وهذا يجب أن تكون نظرتنا إلى الأمور التكليفية.
وقوله تعالى:

...بِعَهْدِ اللَّهِ ....(91)
(سورة النحل)


عهد الله: هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، ومادمت قد آمنت بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلفك به، وإياك أن تخل بأمر من أموره؛ لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يعد نقصاً في إيمانك؛ لأنك حينما آمنت بالله شهدت بما شهد الله به لنفسه سبحانه في قوله تعالى:

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... (18)
(سورة آل عمران)


فأول من شهد الله سبحانه لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات (والملائكة أي: شهادة المشاهدة (وأولوا العلم) أي: بالدليل والحجة.
إذن: فأول عهد بينك وبين الله تعالى أنك آمنت به إلهاً حكيماً قادراً خالقاً مربياً، فاستمع إلى ما يطلبه منك، فإن لم تستمع وتنفذ فاعلم أن العهد الإيماني الأول قد اختل. ولذلك، فالحق ـ تبارك وتعالى ـ لم يكلف الكافر، لأنه ليس بينه وبينه عهد، إنما يكلف من آمن، فتجد كل آية من آيات الأحكام تبدأ بهذا النداء الإيماني:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا .... (183)
(سورة البقرة)


كما في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ...(183)
(سورة البقرة)


فيا من آمن بي رباً، ورضيتني إلهاً اسمع مني؛ لأني سأعطيك قانون الصيانة لحياتك، هذا القانون الذي يسعدك بالمسبب في الآخرة بعد أن أسعدك بالأسباب في الدنيا. وقوله:

....وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ....(91)
(سورة النحل)


الأيمان: جمع يمين، وهو الحلف الذي نحلفه ونؤكد عليه فنقول: والله، وعهد الله .. الخ. إذن: فلا يليق بك أن تنقض ما أكدته من الأيمان، بل يلزمك أن توفي بها؛ لأنك إن وفيت بها وفي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل.
وكذلك العهد بين الناس بعضهم البعض مأخوذ من باطن العهد الإيماني بالله تعالى؛ لأننا حينما نتعاهد نشهد الله على هذا العهد، فنقول: بيني وبينك عهد الله، فندخل بيننا الحق سبحانه وتعالى لنوثق ما تعاهدنا عليه، وربنا سبحانه وتعالى يقول:
....وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ......(91)
(سورة النحل)


أي: شاهداً ورقيباً وضامناً. وقوله:

.....إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)
(سورة النحل)


أي: اعلم أن الله مطلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تكنه الصدور، فأحذر حينما تعطي العهد أن تعطيه وأنت تنوي أن تخالفه، إياك أن تعطي العهد خداعاً، فربك سبحانه وتعالى يعلم ما تفعل. ثم يعقب الحق سبحانه:

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)